تقي الدين الغزي

142

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

ثم إنّه خرج نحو أصبهان متنكّرا ، وأنا وأخوه وغلامان له في زىّ الصّوفيّة ، إلى أن وصلنا إلى « 1 » طبران ، وهي على باب أصبهان ، وقاسينا شدائد ، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ وندماء الأمير علاء الدّولة وخواصّه ، وحملوا إليه الثّياب والمراكب ، وبالغ علاء الدّولة في إكرامه ، وصار من خاصّته . وقد خدمت الشيخ وصحبته خمسا وعشرين سنة ، وجرت مناظرة فقال له بعض اللّغويّين : إنّك لا تعرف اللغة . فأنف الشيخ ، وتوفّر على درس اللّغة ثلاث سنين ، فبلغ طبقة عظيمة من اللغة ، وصنّف بعد ذلك كتاب « لسان العرب » ، ولم يبيّضه . قال : وكان الشيخ قوىّ القوى كلّها ، وكان قوّة المجامعة من قواه الشّهوانيّة أقوى وأغلب ، وكان كثيرا ما يشتغل به ، فأثّر في مزاجه ، وكان يعتمد على قوّة مزاجه ، حتى صار أمره إلى أن أخذه القولنج ، وحرص على برئه حتى حقن نفسه في يوم ثماني مرّات ، فتقرّح بعض أمعائه ، وظهر به سحج « 2 » ، وسار مع علاء الدّولة ، فأسرعوا نحو إيذج ، « 3 » فظهر به هناك الصّرع الذي قد يتبع علّة القولنج ، ومع ذلك كان يدبّر نفسه ويحقن نفسه لأجل السّحج ، فأمر يوما باتّخاذ دانقين من بزر الكرفس ، / في جملة ما يحتقن به ، طلبا لكسر الرّياح ، فقصد بعض الأطبّاء الذي كان هو يتقدّم إليه بمعالجته ، فطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم ، لست أدرى أعمدا فعله أم خطأ ، لأننى لم أكن معه ، فازداد السّحج به من حدّة البزر ، وكان يتناول المنزود يطوس ؛ لأجل الصّرع ، فقام بعض غلمانه وطرح فيه شيئا كثيرا من الأفيون ، وناوله فأكله ، وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزائنه ، فتمنّوا هلاكه ليأمنوا ، فنقل الشيخ إلى أصبهان ، وبقي يدبّر نفسه ، واشتدّ ضعفه ، ثم عالج نفسه حتى قدر على المشي ، لكنّه مع ذلك يكثر المجامعة فكان ينتكس . ثم قصد علاء الدّولة همذان ، فسار الشيخ معه ، فعاودته تلك العلّة في الطريق ، إلى أن وصل همذان ، وعلم أنّه قد سقطت قوّته ، وأنّها لا تفي بدفع المرض ، فأهمل مداواة نفسه ، وأخذ يقول : المدبّر الذي كان يدبّر قد عجز عن التّدبير ، والآن فلا تنفع المعالجة . وبقي على هذا أيّاما ، ومات عن ثلاث وخمسين سنة . انتهى قول أبى عبيد .

--> ( 1 ) ساقط من : س ، ط ، وهو في : ن ، وعيون الأنباء . ( 2 ) السحج : التقشر . ( 3 ) في الأصول : « إيذخ » ، والتصويب من عيون الأنباء . وإيذج : كورة وبلد بين خوزستان وأصبهان . معجم البلدان 1 / 416 .